الدهشة / سعادة ابوعراق

الدهشة / بقلم سعادة ابوعراق

الدهشة التي نستشعرها حينما يواجه عقلنا موقفا أو منظرا أو ظاهرة غريبة، في هذا الموقف يستثار الذهن فيما يسمى العصف الذهني، هذا العصف الذهني يقوم بتحفيز العقل لكي يفهم ما هو بصدده، فهي عند الفيلسوف مصدر الفلسفة في التفكير بما وراء المُشاهَد والملموس، والعالم أيضا يجد نفسه أمام كشف جديد واستنباط دلالات ومعرفة جديدة، والأدباء والشعراء والكتاب يرون انفسهم أمام موضوع جدير بالبحث، وكذلك الفنانون والموسيقيون وباقي أنواع الفنون.
ولعل الدهشة التي تولد معنا كإحدى المؤهلات الأولى، هي التي تصنع الفضول والتأمل والاستحواذ أيضا، فالطفل يندهش وهو إزاء أي شيء جديد، إنسانا أو حيوانا أو شكلا أو دمية أو صوت القطة أو الديك ، أو الرعد ، هذه الدهشة تتلازم مع الرهبة مع كل جديد، فيحجم متخوفا ولكن حينما يتعايش معها ويغدوا أمنا، فإن الطاقة التي شُحِنَ جسمُه بها تلقائيا، لاتقاء الخطر المتوقع منها، يصبح من اللازم تفريغ هذه الشحنة، ويكون بتحريك عضلة الحجاب الحاجز على شكل قهقهات وضحك وسرور يعبر بها على أنه أصبح آمنا.
الدهشة كما قلنا ما هي إلا عصفا ذهنيا يقوم به العقل مستفزا كل ملكاته، محاولا الفهم والتفسير، فحينما يرى الرعد كظاهرة طبيعية يحاول أن يفهم ذلك، فلا يرى له سببا، لذلك أوجد له إلهاً، كمسبب يمارسها بمزاجية، وكذلك بقية الظواهر من موت وولادة وحب وخير وشر وغيرها، وهذه الأفعال الإلهية لا ضابط لها، لذلك لا وسيلة لاتقائها سوى التضرع للآلهة بأن لا تفعل ذلك، هنا نستطيع أن نقول أن الدهشة قد انتقلت إلى مصدرٍ للتقديس.
هذه الدهشة لا تفارقنا أبدا طوال حياتنا، ولكننا نغدو غير متساوين في منسوب دهشتنا دقته، فمعظم الناس لا يبدون دهشة لما في هذه الحياة، إذ لا يرون جديدا يمكن له أن يبهرهم، لذلك فإنهم يرقدون رقدة الأموات، أما من لم يفقدوا طفولتهم وقدرتهم على تحسس المدهش، فيما هو حولهم، ويفرحون فرح الأطفال، أولئك هم المبدعون، هم الذين يثرون حياتنا بكل جديد، فهم يرون ما لا يراه غيرهم، إنهم المكتشفون والمخترعون والعلماء والأدباء والفنانون والمفكرون والفلاسفة.
فما دامت الدهشة هي أساس الفلسفة والعلوم والفنون والآداب، لماذا لا تقوم بتربية هذا الجانب المهم لكي نصبح منتجين للعلوم والآداب والفنون والفلسفة، ونصبح أمةً لها قامتها بين الأمم؟
لمحاولة الإجابة على ذلك نعود إلى ارتباط الدهشة عند الأمم البدائية بالخوف والتقديس لكن مع تقدم العلوم الطبيعية لم يعد هناك مفهوم الإله المسبب، فالرياح لها أسبابها الطبيعية والأمطار والثلوج والأمراض والموت والولادة وغيرها، وما كانت العلوم الطبيعية تزدهر وتتعمق إلا بعد أن ابعدنا عن الذهن أن الله هو المسبب الأول والمباشر، إذ استبدل هذا المفهوم بمفهوم أن الله خلق القوانين الطبيعية وهو يدير الكون بهذه القوانين، وعلينا كبشر أن نفهم هذه القوانين التي خلقها الله، إنه لم يخبرنا عنها، إنما أعطانا العقل الذي يمكننا أن نكتشف به هذه القوانين، فالعقل وظيفته اكتشاف القوانين، فبهذه القوانين أصبحنا نتحكم بالأمراض والكوارث ونصنع الآلات، ونعالج المشكلات ونزيد الثروة ونغدو اكثر رفاهية وسعادة.
وبما ان الله لا يمكن تصوره إلا ذهنيا، فليس كمثله شيء، فإن الدعوة الإسلامية, من خلال تربيتنا في البيت والشارع والمدرسة تعودنا أن نتذكر الله ونحن نرى كل ظاهرة ونعزوها لفعل الله، ونجيب على كل تساؤل بأن الله يعلم ونمارس التسبيح والتهليل ولا نفكر، ليترسخ مفهوم الله بهذا الشكل المكثف، وخاصة حينما نكون حيال امر غريب، فنعبر عن دهشتنا بأن نقول ما شاء الله أو سبحان الله، أي نتمثل قدرة الله في الخلق، ولا نحاول أن نفهما فهما عقليا، مع أن الفهم العلمي لا يتنافى أبدا مع تمثلنا لقدرة الله.
لقد امرنا الله بالتفكر( الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض…) ولكن المفسرين قديما لم يكن لديهم أي مفهوم عن التفكير أو العلم، لذلك رأوا في هذه الآية دعوة للاعتبار بخلق السماوات والأرض، أي دعم الإيمان بملاحظة قدرة الله، فهذا كما قلنا جاء في سياق ترسيخ مفهوم الله في الأذهان، ولكننا في استعمالنا المفرط للتسبيح مع كل شيء، وعلى مدى الدهور، قضى على مشاعر الدهشة التي خلقها الله فينا، وما عاد يستثيرنا شيء للتفكير به.
ونحن لا نلوم المفسرين الأوائل على فعلتهم، إنما نلوم فقهاء العصر الحديث، الذين لا يجرؤون على الخروج عن التفاسير الموروثة. ذلك إن قولنا دائما لأي امر بسيط سبحان الله أو ما شاء الله، أو النطق بالشهادتين، إنما هو إعطاء الجواب المعد مسبقا، على تساؤل دهشتنا بأن الله فعل ذلك، وهنا تنتهي دهشتنا، أي قتل التساؤل الذي أثارته الدهشة، الدهشة التي خَلَقَت نمو العلم والمعرفة في الأمم الأخرى، وبالتالي التقدم والازدها والقوة والثراء والسيطرة على الشعوب المتخلفة من أمثال العرب، العرب المتثائبون الكسالى، الذين يدعون الله وهم على جنوبهم مضجعين.
لذلك نحن نفهم أن الذِكرَ والتسبيح ما هو إلا لترسيخ العقيدة بوجود الله، ولكن علينا الآن ان نتساءل كيف نتجنب مع هذا العمل الإيماني، قتل شرارة الدهشة التي تشعل الذهن كما تشعل شرارة البوجية محرك السيارة؟

 

 

 

 

 

 

سعادة ابوعراق

   

About عبدالرحمن ريماوي

Check Also

التحرير تقربة المقاومة وتبعده المساومة – تميم البرغوثي

التحرير تقربة المقاومة وتبعده المساومة - د. تميم البرغوثي إن تحرير فلسطين كلها من البحر إلى النهر، موضوعياً وواقعياً ممكن،

%d bloggers like this: