سبع أصابع
وسيلة أمين سامي
ذلك اليوم لم يكن الإجهاد وحده الذي اعتراني، وأوهى قواي، وشتّت أفكاري،
بل صوتُ صاحب المنزل المدمَّر؛
صوتُه الملحاح رأفةً وحنانًا:
ــ رفقًا، رفقًا، احفروا هنا، أزيحوا الحجارة من هناك.
ــ لا تقلق، نحن نعرف عملنا جيدًا.
لم نكن نمتلك سوى معاولَ بسيطة وأدواتِ حفرٍ بدائية، بسبب قلة الإمكانات في عملنا الطوعي.
كنتُ أحاول تجاهل صوته وتعليماته التي لا تفيد بشيء، غير أنها تُشتّت تركيزي أنا ومن يعمل معي في البحث عن ناجين تحت هذا الردم.
نظرتُ إليه، فرأيتُ رجلًا أثخنت جسدَه الجراح، وملامحَ يكاد التراب يمحو تقاسيمها.
نظراتُه تجوب الردم، تكاد عيناه تخرجان من محجريهما لتشاركا في إزاحة ذلك التراب، وبين وقتٍ وآخر كان يصرخ بصوت جهوري:
ــ حدا سامع؟ حدا عايش؟ كوني بخير يا ليلى، أرجوك.
كلتا ذراعيه تنزفان، لكنه لم يكن يعبأ بكل ذلك الألم؛ همّه الوحيد هو إسداء التوجيهات التي كنا في غنىً عنها.
هبّت الرياح بقوة، فحملت صوته ليتلاطم بين الزوايا التي تحمل شحوب الموت، وحده صوته من يُشعرك بأن في هذا المكان أحياء.
واصلنا البحث…
الضوء الذي كنا نستعين به شحيح، لا يستطيع الوقوف بوجه ظلام المساء إلا بقامةٍ هزيلة مرتجفة.
كنتُ أسمع الرجل، برغم طرق المعاول، وهو يهمس:
أرجوكم اعثروا على وجهها، حتى وإن كان مهشّمًا؛ فلطالما رأيتُ في وجنتيها ما يشبه الندى في مواسم البرتقال.
أنتم لا تدرون ماذا تعني لي تلك الملامح، وإن كان الموت قد سلبها زينة الحياة ونضارتها.
ثم يسترسل محدّثًا الفراغ المزدحم بوحشة الموت:
سيقولون، يا حبيبتي، جُنَّ الرجل.
ثم ارتسمت ابتسامة باكية على شفتيه، وأردف:
ــ أجزم أن لا شيء يعيش حالة الثبات غير هذا الشعور الذي يهدهد عينيك، وجمال ذكراك في مهد قلبي.
كوني بخير، فمن لبيادر البرتقال سوى خطاك؟!
تساءلتُ في نفسي مندهشًا:
ــ أهذا غزل، أيها الرجل؟!
نعم، لقد كان غزلًا جريحًا وجيعًا…
نسي الليل ربابته المبحوحة على شفتيه. لم أكن أعي حقيقة ما يعنيه بتلك الكلمات المنتحبة، لكنني كنت أحس بوجعه يصل إلى قلبي.
واصلنا البحث…
حتى عثرنا على كفّين لامرأة، لكنهما بسبع أصابع فقط.
شهق الرجل وهو يتأملهما، وكاد يُغشى عليه. لمس إحدى الأصابع قائلًا بأسى:
ــ إنها أصابعها… ما زال الخاتم في إصبعك، كأنني ألبستك إياه للتو.
تلك الأصابع التي لطالما داعبت، بحنانها، شغاف وجداني، وكم كانت طرية وهي تداوي جراحات أمانينا الطعينة. ما زلت أجد دفئها في قلبي المفجوع.
كان حريصًا أن يلملم الأشلاء كاملة غير منقوصة،
لكننا لم نجد سوى تلك الأصابع السبع؛ فالدمار كبير.
انقضى الليل، وما زلنا نبحث…
وعلى استحياء أطلّ وجه شاحب للفجر، وكأنه يهاب رؤية تلك البقايا الممزقة.
مضى الوقت سريعًا، انقضى النهار،
وحلّ مساءٌ آخر، كأنه متكأ للشوك والجراح، يؤزّ هجعة الأشواق، يحييها اشتعالًا.
ولاح بارق من دموع في عيني الرجل، وبدأ اليأس يدبّ في قلوبنا؛ لا أمل في العثور على أحياء.
كان يتأمل ما بقي من محبوبته، لتصدح الذكرى موالًا نزف في مقل الشفق.
حمل الأصابع السبع برفق وتحنّن، وكنتُ أرمقه بنظراتي الحزينة وهو يمضي، وأتساءل: أين وجهته بكل تلك الجراح النازفة في جسده وقلبه؟
تتبعته بنظراتي، وهو يمضي بخطوات مترنّحة، وكأني بصوته قد حملته الرياح إلى كل الآفاق البعيدة:
ــ حدا سامع؟ حدا عايش؟
في ذلك المساء، لستُ وحدي من شاهد في الطريق الذي سلكه الرجل طيفين غريبين متعانقين عند الغروب، تحت أشجار اللوز التي هجرتها أزهارها.
جريدة وإذاعة سقيفة المواسم الثقافية ثقافية ، اجتماعية ، فنية
