سماح خليفة

أصمعيّ العصر وأميرة الشعراء – سماح خليفة

سماح خليفة

أصمعيّ العصر وأميرة الشعراء – سماح خليفة

ماذا لو عاد الأصمعي بعد اثني عشر قرنًا من الزمن، ووجد إمارة الشعر قد تقلّدها امرأة؟ ماذا ستكون ردة فعله عندما يجد شاعرة أنثى قد أطاحت بفحول الشعراء، وقلبت الموازين، واستطاعت لأول مرة أن تُتوّج أميرة للشعر؟
ولماذا نذهب بعيدًا ونسافر عبر الزمن؛ لنختبر ردة فعل الأصمعي، وموقفه من ذلك؟ يكفينا أن ننظر في موقف تلاميذه، (صُمعان القرن)؛ لندرك فحولة التفكير ونسقيّته.
لم أعمد إلى كتابة هذا المقال لأثبت أن الشاعرة عائشة السيفي هي أشعر شعراء وشاعرات عصرها، وإنّما لأثبت أنها أذكاهم على الإطلاق، وهذا الذكاء هو الذي منحها استحقاق الإمارة.
بعد أن تقلّدت عائشة السيفي إمارة الشعر، وتوّجت أميرة الشعراء، بدأ الهجوم عليها، من فحول الشعراء، من كل حدب وصوب، وساندهم في ذلك بعض الإناث التابعات (المُفَحْوَلات)، ولا أقصد بالفحولة هنا ما قصده الأصمعي بجعله مقياسًا للإبداع الشعري، الذي برأيه تميز به الذّكور فاستحقوا نسبه إليهم، وإنما أقصد به: الذكورة النّسقية المتضخّمة.
أخذ بعضهم يتنمّر عليها، والبعض الآخر يسخر من شعرها، وبعضهم من زينتها المبالغ بها على حد قولهم، لتستميل بها قلوب اللجنة والجماهير، وبدأت ردود الفعل التي تلت إعلان الفوز بالضحك الهستيري الذي تمثل بتكرار (إيموجي يضحك) على صفحات الفيس، ثم نشر صور (للقط الذي يطير برجليه)، (والبحر الذي يجلس القرفصاء على التلة)، (واليد الغضة التي تفرك الغيم). كانت ردود الفعل هذه، بكل تأكيد، انفعالية، متسرعة، غير مدروسة، بل هي ردود فعل ذكورية، فالفحل القابع في أعماقهم شعر بالإهانة من تفوق أنثى وفوزها بخاتم الإمارة، وبردتها.
في مرحلة لاحقة، أخذ بعض الشعراء والنقاد الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الشعر والإبداع بالإفتاء والحكم، ليقول بعضهم “أميرة السخفاء”، “هذا كلام جن بل إن للجن كلاما مفهوما”، “تافهة وستين تافهة”، وحدّث ولا حرج…
وأما أعجب من كل ما سبق أنّ بعض المُفحوَلات أوّلت الأمر في النهاية إلى حرب على القرآن وعلى الإسلام! لا أعلم حقيقة متى سنترك شماعة (الحرب على الإسلام والقرآن) ولا نعلق عليها تفاهتنا وفشلنا وهزائمنا!
في ظل تلك الزوبعة وتلك الحرب الشعواء نسي الجميع الهدف من برنامج (أمير الشعراء)، فهل الهدف منه الخروج بأشعر الشعراء المشاركين؟ لا والله، كيف يكون ذلك واللجنة تتكون من ثلاثة نقاد، منهم من هو ضعيف لغة ونقدًا وشعرًا، ومنهم الغافل الذي يفتقر إلى الذكاء أو سرعة البديهة، فيخطّئ الصواب ويصوّب الخطأ!
الهدف الأول والأسمى من برنامج أمير الشعراء، والذي يدركه المشاركون جيدًا، ولم يشتركوا به إلا لهذا السبب، مهما حاولوا الإنكار، هو المال، والذي سيقرر صاحب الحق بهذا المال هي: أولًا اللجنة، ثانيًا: الجمهور. واللجنة منذ البداية كانت واضحة في معاييرها، التي لا يعترف بها النقاد والشعراء الحقيقيون، ألا وهي الحداثة، أو قل الغرابة، أو قل بتعبير البعض الطلاسم، وكلمة (الحقيقيون) لا أسقطها بالضرورة على كل من اعترض على الشاعرة وشعرها، فمعظمهم فارغون، يركبون الموجة، ولكن هناك فعلًا شعراء ونقاد أشهد لهم بالشاعرية والبراعة والإبداع، قد اعترضوا على قصيدة عائشة السيفي، وسوّغوا رفضهم لهذه المسرحية، إن صحّ التعبير.
بعض الشعراء الذكور الذين شاركوا في برنامج أمير الشعراء أدركوا معايير اللجنة، لكنهم لم يستطيعوا مجاراتها والحوز على رضاها، وبعضهم وقعوا بين نارين: نار (الشاعر الحقيقي)، ونار (الحداثة التي تطلبها اللجنة، التي هي السخافة بتقدير البعض)، فتفوقت فحولتهم الشاعرية النسقية على العقلانية الحداثية، والعقلانية هنا لا أقصد بها عقلانية الصور والألفاظ والدلالات في القصائد، وإنما عقلانية الاختيار في النظم الذي يرضي ذائقة اللجنة. فأخذوا ينظمون الشعر الذي يبرهن شاعريتهم الحقة، لكنها في الوقت ذاته لا تنال استحسان اللجنة، فخسروها.
وأما الشاعرتان اللتان صمدتا وحصلتا على المركزين الأول والثاني، شغلهما بالدرجة الأولى ذائقة اللجنة ونيل رضاها، فتفنّنتا بالغرائبية وطلاسمها، على حد قول بعضهم، ونالتا ما أرادتا.
أما عائشة السيفي، والتي هي شاعرة حقيقية مبدعة في قصائدها العمودية والحرة، بعيدًا عن القصيدة الفائزة، وبعيدًا عن مناقشة استحقاق القصيدة من عدمه، كانت الأذكى والأمهر، وتفوقت بذكائها.
دخلت عائشة السيفي برنامج أمير الشعراء وهي تركز على هدفها، الحصول على اللقب، والأهم الحصول على المليون، قبل أن تشتغل على قصائدها، درست ذائقة اللجنة وفهمتها جيدًا، ولم يشغلها إثبات أنها الأشعر والأكثر إبداعا، بقدر ما شغلها إرضاء اللجنة، فسلكت مسلك الحداثة الخاص باللجنة، وحاولت أن تحدث الدهشة والإعجاب لا في قلوب الشعراء والنقاد، وإنما في قلوب اللجنة، فجاءت بالقط الذي يطير برجليه، والبحر الذي يجلس القرفصاء، واليد الغضة التي تفرك الغيم، وبذلك حازت فعلا على إعجاب اللجنة وكسبت رضاها، وحصلت على أعلى الدرجات.
أما المُقيّم الآخر، وهو الجمهور فلم تغفل عنه عائشة، بل درست ذائقة الجمهور، الذين ليسوا شعراء بالضرورة، وإنما بشر عاديون، ينجذبون بفطرتهم إلى الجمال بكافة أشكاله، ويخضعون (وفق علم النفس) لتأثير الآخر، سواء سلبيًّا أو إيجابيًّا، ومدى قوة تأثيره، وشخصيته، وبراعته، ومن هنا اعتنت عائشة بطريقة إلقائها، وجمالها، وثقتها بنفسها، وأنوثتها الصارخة الواثقة القوية، البعيدة كل البعد عن الضعف والرقة والصوت اللين المعهود، كسرت التوقعات، فكانت الأنثى جميلة الشكل، الجذابة، لكنها في الوقت ذاته ابتعدت عن معايير الأنوثة التقليدية، فكان صوتها قويًّا واثقًا، كسّر حصون النسقيّة الذكورية، فاستحوذت على أصوات الجمهور، بعد أن استحوذت على ذائقة اللجنة، فكانت هي أميرة الشعراء، ليس فقط بشعرها وإنما بذكائها…
عائشة السيفي الأنثى الشاعرة الأميرة الذكيّة، التي فازت باللقب، وفازت بالمليون، ترفع لها القبعات…
هنيئا لك الإمارة والمليون…

سماح خليفة تكتب: أصمعيّ العصر وأميرة الشعراء - صحيفة اليمامة الجديدة

About Abdulrahman AlRimawi

Check Also

حوار الطرشان – د. نجاح القرعان

حوار الطرشان - د. نجاح القرعان كنت أتساءل دوما لماذا حواراتنا تسير بهذه الوضعية الوضيعة! فالمتابع للحوار الذي يدور بين الأفراد شخصيا أو على وسائل التواصل الإجتماعي أو في وسائل الاعلام حول القضايا المختلفة وفي شتى المجالات السياسة والإقتصادية والاجتماعية

%d bloggers like this: