التحرر من فخ المقارنة
بضغطة زرٍ تبدأ حكاية روتينية عند الصباح تنساب الصورُ والقصصُ (Stories) أمام عينيك كشريطٍ سينمائيّ لا ينتهي، هذه تحتفل بنجاحٍ مبهر، وذاك يستعرضُ رحلةً في أقاصي الأرض، وأخرى تبتسمُ بشكلٍ مثاليّ يوحي بأن الحياة خالية من الهموم، وفي تلك اللحظة تحديداً، يتسللُ إليك شعورٌ خفيّ بالانقباض، وكأن العالم كله يركضُ للأمام بينما تقف أنت في مكانك. فجأة، تصبحُ إنجازاتك الصغيرة باهتة، وجمال يومك العادي يبدو ناقصاً.
هنا، تقع في الفخ الأكثر استنزافاً للروح في وقتنا الحالي وهو فخ المقارنة، تتحول حياة الآخرين إلى مِقياس نقيس به استحقاقنا، فنظلم أنفسنا وننسى أن ما يظهر خلف الشاشات ليس إلا جزءاً من الحقيقة، وليس الحقيقة كلّها.
إن أولى خطوات السقوط في هذا الفخ هي تصديقنا بأن ما نراه هو الحقيقة المجردة، بينما الواقع يقول إننا نقارن كواليسنا المتعبة بأفضل لقطات الآخرين
المقارنة هنا ظالمة جداً و هي فيضٌ من الوهم فكيف لنا أن نقيس جودة حياتنا المعقدة والممتلئة بالتفاصيل، بصورةٍ ثابتة أو مقطع فيديو لا يتجاوز ثوانٍ معدودة؟ إننا نمنح الآخرين حق تحديد معايير سعادتنا، في حين أنهم هم أنفسهم قد يكونون غارقين في صراعات لا يعلم عنها المتابعون شيئاً.
هنا سنسلط الضوء على نقطة مهمة وهي
الاستحقاق.. حين يصبح رهينةً للآخرين
نجد أن فخ المقارنة يرتبط برابطٍ وثيق بمسألة (الاستحقاق الذاتي) ففي اللحظة التي نضع فيها أنفسنا في كفة ميزانٍ مع غيرنا، نكون قد سلمنا مفاتيح قيمتنا للمجتمع، لقد أصبحنا نعيش في عصرٍ يتمحور فيه شعورنا بالرضا على عدد الإعجابات، أو نظرات الانبهار في عيون الآخرين. فإذا لم ننساق وفق معايير (التريند) سنصل لمرحلة نفقد فيها ثقتنا بقدراتنا ونشك في جدارتنا بالحياة الكريمة أو السعادة.
هذا الاستحقاق المشروط هو غاية في الخطورة، لأنه يحولنا إلى مطاردين لسرابٍ لا ينتهي لأنه دائماً هناك من هو أجمل، و أغنى، و أكثر شهرة، وبدلاً من أن يكون شعورنا بالاستحقاق نابعاً من إنسانيتنا، وجهدنا الصادق، وسلامنا الداخلي، نجعله رهينةً لمقارناتٍ لا تنصفنا، وننسى أن قيمتنا الحقيقية تكمن في كوننا نحن ، لا في كوننا نسخةً مطابقة لما يمجده المجتمع.
لذلك لنردد عبارة كن لأجلك، كي تتجسد بداخلنا معالم الرضا والقناعة
إن الخسارة الأكبر في رحلة المقارنة ليست في شعورنا بالنقص فحسب، بل في فقداننا القدرة على تذوق ما نملك، لذلك نجد أن المقارنة هي سارقة المتعة التي تدخل بيوتنا دون استئذان فجأة، يصبح بيتك الدافئ الذي تحبه موحشاً وخانقاً وذلك لأنك رأيت قصراً فارها لأحدهم على الشاشة،
ويصبح نجاحك الذي كافحت لأجله بسيطاً وذلك لأن غيرك حقق نجاحاً أكبر.
وتصبح العلاقات والترابط متزعزعة لأنك رأيت لقاءات مفبركة ووهمية توحي بالسعادة والمثالية
إننا نعتاد النعم حتى نفقد الإحساس بها، ثم نأتي بالمقارنة لنهدم ما تبقى من امتنان في قلوبنا هذا الاستنزاف المستمر يجعلنا نعيش في حالة من الجوع النفسي.. حيث لا شيء يكفي ولا إنجاز يرضي، لأن العين دائماً تتابع ملعب الآخرين، نتجاهل أن لكل إنسان مساراً زمنياً خاصاً به، وأن ما يملكه غيرك قد لا يناسب تفاصيل حياتك، حتى لو ملكته، لربما أثقل كاهلك بما لا تطيق.
نحتاج للعودة إلى الذات.. ولكن كيف نكسر القيد؟
إن التحرر من أغلال المقارنة يبدأ بقرارٍ شجاع وهو العودة إلى الذات والاعتراف بأن لكل إنسان حياة ورحلةخاصة هو نفسه بطل حكايته الخطوة الأولى تكمن في (فلترة) ما تستقبله حواسك فليس كل ما يُعرض يستحق المشاهدة، وليس كل صخبٍ هو نجاحٌ حقيقي، تعلّم فن (الاستغناء الرقمي) عن كل ما يشعرك بالنقص أو يزعزع ثقتك بنفسك
أما الخطوة الثانية، فهي استبدال( المقارنة بالآخرين بالمقارنة بالذات) اسأل نفسك من كنتُ بالأمس؟ وكيف أصبحتُ اليوم؟ إن النجاح الحقيقي هو أن تكون نسخةً أفضل من نفسك، لا نسخةً مشوهة من غيرك.
وأخيراً، مارس الامتنان الواعي فالتفاصيل الصغيرة التي تملكها اليوم كانت في يومٍ من الأيام حُلماً تمنيت تحقيقه، فلا تفرط في بهجتها من أجل بريقٍ خادع لا يخصك فأنت لست في سباق.
في نهاية المطاف، تذكر دائماً أن الحياة ليست سباقاً ماراثونياً، ولا يوجد خط نهايةٍ واحدٍ يجب أن يصل إليه الجميع في الوقت ذاته لكلٍ منا توقيته الخاص، وتحدياته المستترة، ونجاحاته التي قد لا يراها أحد قيمتك تكمن في جوهرك في صمودك وفي قدرتك على النهوض كل صباح لتعيش حياتك بصدق، بعيداً عن ضجيج الأقنعة. عش بملءِ إرادتك واستمتع بمسارك المميز والمستقل ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن النظر لحقول الآخرين، ستبدأ زهورك أنت في الإزهار.
جريدة وإذاعة سقيفة المواسم الثقافية ثقافية ، اجتماعية ، فنية
