نغادرُها ولا تغادرُنا – ريما حمزة

نغادرُها ولا تغادرُنا ..بيوتُنا القديمة ….
هل لأنَّ هندستَها تقوم عل أساسٍ عاطفيّ ؟!
فكلُّ بيتٍ يسندُ خاصرةَ البيتِ الآخر ، وكلُّ شرفةٍ تمدُّ يدَها للشُّرفةِ المقابلة !
أمْ لأنها لا تكتبُ وتمحو أسماءَ نزلائِها كالفنادق ، وتسكنُها رائحةُ البقاءِ كما يسكنُ اللهُ وجهَ طفلٍ جميل ؟
صعبٌ اقتلاعُها من عصَبِ القلبِ ، وهي التي أمسكتْ بعناوينِ الريح ، ولم تتخلَّ عن حبّةٍ واحدةٍ من ( مسبحتِها ) .
قد تركَبُ بساطَ الريحِ ، وتمتطي المجهولَ ، وتُغمِدُ ريشَكَ كسنونوةٍ شاردةٍ في فيروزِ السّماءِ ، وتقابلُ شمسَ الشموسِ ، لكنها لن تفكَّ حصارَ جليدِكَ حتى التناثرِ .. حتى التبعثرِ .. حتى التبخُّرِ .بل ستُحيي هشيمَك .. !
وبين هذا وذاك ….
ثمّةَ أوركسترا صاخبةٌ من أشجارِ الزيتونِ والبلّوطِ وشتولِ الحبق والوردِ البلدي والزعتر البرّي تصدحُ وتتصاعدُ ، ليلكةٌ تمشطُ شَعرَها البنفسجيَّ وترمقُكَ بابتسامة .
همزَ لكَ شيطانُ الحنينِ ، فتهاوتِ المشاهدُ في عينيكَ كأشجارِ الخريفِ المتكسّرةِ تباعاً…
كيف ستلملمُ زجاجَ القلب ؟! وأنتَ تمشّطُ الأمسياتِ و الضحكاتِ والأحاديثَ عبارةً عبارةً ، وبين الفواصلِ تمُرُّ طفولتُكَ … مراكبُكَ الورقيّةُ ….داليةٌ تسللتْ لحضنِ نافذتِك .. بوابتُكم العتيقةُ ..
تطالعُكَ وجوهُ من تُحِبُّ ..أمُّكَ .. الكاهنُ الكبيرُ الذي يقيمُ للحنان طقوسَ عبادةٍ … أصواتُهُمُ المبعثرةُ في مهرجانِ حياةٍ ، عيونُهُمُ المتوجّسةُ من الرّحيل …
مغروسّ أنتَ هناكَ كوتدِ خيمة ….!
تقعُ عَبَراتُكَ في مأزقٍ، وترمي الدُّميةَ التي كنتَ تقتلُ بها الوقتَ .. الوقتَ الذي استغرقَتْهُ دمعةٌ خانَتْك.. .
يا لملوحةِ الذكرياتِ وطعمِها الحارقِ الحاذقِ …!
كيف أشعلتْ حطَبَ رأسِكَ دفعةً واحدة ؟!
كيف فتحَ الماضي نافذتَهُ في وسادتِكَ الجديدة ؟!
أيُّ هَرَبٍ هذا؟!
إنّها مسكونةٌ فيك ، ولم تغادِرْها أبداً …. بل غادرتَ بها ….
# 𝓡𝓮𝓮𝓶𝓪
No photo description available.

عن Abdulrahman AlRimawi

شاهد أيضاً

الرسالة السابعة عشرة - ثراء الجدي ( رسائل العشق الممنوعة من الصرف) علمني .. كيف أبحر بك إلى سدرة المنتهى وكيف أفتح في صدري سماء أخرى حيث لا تتوه البوصلة ولا تغلق الأبواب في وجهِ النداء وكيف أجدف بين أضلاع الصمت دون أن تثقلني خطايا الأسئلة

%d مدونون معجبون بهذه: