البكاء في الزاوية
في هذه الحياة نعيش وسط تراكمات كثيرة من الضغوطات حيث نتعداها مرغمين في سبيل المضي والاستمرار ولا نبالي بنزف أرواحنا
إلى أن تأتي لحظة فجأة نشعر بها بالذبول والانكسار والوحدة
وكأننا في دوامة مليئة بالدهاليز المظلمة
ولا نملك خرائط العودة حينها نلجأ لما نسميه محراب الروح
وهو تحديداً البكاء في الزاوية
الزاوية هي المكانُ الوحيد الذي لا يملكُ ظلاً، لأننا نصبحُ نحن الظلَّ والنور في آنٍ واحد نتقوقعُ هناك، فتبدو أجسادنا أضيق من صراخنا، وتبدو الجدرانُ كغلافِ كتابٍ قديم، يحفظُ بين طياته تفاصيلَ انطفائنا المؤقت.
في هذا الفراغِ المثلث، يصبحُ الحزنُ عملاً هندسياً بامتياز نحن الرأس والذكرياتُ هي الأضلاعُ التي تحاصرنا لا شيءَ هنا سوى رائحةِ الانفراد وصوتِ الصمتِ وهو يرتطمُ ببرودة الأرض من تحت قوقعتنا
أحياناً، تصبح المساحات الشاسعة عبئاً على الروح ويغدو الضوء من حولنا كشفاً قسرياً لجروحٍ لم تندمل بعد.. حين يفيض بنا الزحام الداخلي وتضيق بنا الجهات الأربع و يكون ملاذنا الوحيد هو الهروب نحو نقطة التلاقي الوحيدة التي تمنحنا شعوراً بالاحتواءنلجأإلى نقطةالصفر
هذا اللجوء هو هدنة محارب وضرورة وجودية لنستعيد توازننا بعيداً عن ضجيج التوقعات وصخب الحياة.
تغافلنا عن كل ما يرهق أفكارنا ومشاعرنا يقودنا إلى الانكسار المفاجئ وحفاظا على صورتنا وشخصيتنا القوية نسمح لتلك الانكسارات بالتراكم لذا نهرب من المواجهة أو ما نسميه
الهروب من السطوع حيث يكون الضوء انتهاكاً لخصوصية الألم لذا نجد في الزاوية تلك العتمة الحانية التي تستر جروحنا التي لم تندمل بعد، وتسمح لنا بالبكاء دون حاجة لتبرير السبب، لأن السبب.. هو الوجود بحد ذاته.
ذلك الاحتضان هو أشبه بوضعية تكوّر الجنين هو أدق وصف لحالة العودة إلى الذات فهي ليست نقصاً أو استسلاماً، بل هي رحلة عودة إلى الأصل حيث الأمان المطلق والسكينة بعيداً عن ضجيج العالم
هذا التكور الوجودي هو بمثابة مخاض روحي فكما يحتاج الجنين إلى الظلمة والضيق لكي ينمو وتكتمل أعضاؤه تحتاج أرواحنا أحياناً إلى تلك العزلة الضيقة لترميم ما انكسر وإعادة بناء ما تهدم من أحلام وطموحات
نعم.. إنها لحظة تصفير للعدادات النفسية، حيث نتحلل من كل الأثقال التي وضعها الآخرون على عواتقنا، لنخرج من تلك الزاوية بملامح روحية أكثر نقاءً وقوة. وكأننا نقول للعالم
لقد انطفأتُ قليلاً لكي لا أحترق تماماً والآن أعود بنورٍ جديد
ما أجمل هذا الوعي بالألم فهو الذي يجعل من الانكسار جسراً للعبور لا حفرة للسقوط.
شاهد أيضاً
تقصير المرأة في العمل العام – رنا عياش
تقصير المرأة في العمل العام رنا عياش يكثر في الجلسات العامة والحوارات المجتمعية الحديث عن غياب المرأة عن العمل العام، واتهامها الدائم بالتقصير وضعف الحضور، من غير التوقف عند الأسباب العميقة التي تقف وراء هذا الواقع.
جريدة وإذاعة سقيفة المواسم الثقافية ثقافية ، اجتماعية ، فنية
