غفوة الاقحوان لجهاد قراعيين

صحوت هذا الصباح بعد ان شربت نور ضوء القمر ، وكان ليلي هدوءا عاصفا ، كل مافي صاخباً، وابتلت عروق الاشجار فانفطرت تحته الأزهار واكتملت قصتي في ليلة وامطرتني السماء وانفطرت حبة تراب تفقدتها فاذا به يحتضن كتابي الثالث تحت عنوان ( غفوة الاقحوان)
كانت المقدمة من الاخ الكبير والصديق العزيز ادامه الله ووهبه الصحة والعافية بقلم الدكتور عبد الله عقروق
استهلاليّة مقدّمة الكتاب

الدكتور عبد الله عقروق
سلامٌ على الكلمةِ حين تتوضّأ بالصدق،
وسلامٌ على الحبرِ إذا اغتسلَ بنور الإيمان،
وسلامٌ على تلك الروحِ التي اجتمع فيها طهرُ المسيح ونورُ محمدٍ،
فأشرقت في كيانها بوتقةٌ واحدة، يجتمع فيها الدين والعروبة،
ويتناثر من حولها عبيرُ الإنسانية التي لا تعرف الحدود.
إنّ الكاتبة جهاد قراعين ليست مجرّد أنثى تكتب،
بل نبيّةُ الحرف، ومُبشّرةُ المعنى،
خرجت من رحم الألم كزهرةٍ في صحراءٍ عطشى،
تسقيها دموعها، وتشمخ رغم العطش،
تحمل بين يديها قلماً يقطر حبًّا ووطنًا،
وحبرًا من صبرٍ قديمٍ سكن ضلوع الشرفاء.
هي مسلمةُ الإيمان ومسيحيّةُ الحبّ،
فيها من العذراء صفاءُ النور،
ومن خديجة دفءُ الصبر،
ومن فاطمةَ الطهرُ النابتُ في تربة العزيمة،
التقى في قلبها المسيحُ عليه السلام،
ومحمّدٌ صلى الله عليه وسلم،
فصارا فيها نجمين على كفٍّ واحدة،
تضيئان وجه العروبةِ حين يغشاه ليلُ الزيف.
سأقرأُ السلامَ على هذا الزمان،
زمنِ اللاحبِّ واللاصدقِ في المشاعر،
زمنِ الوجوهِ المموّهةِ خلفَ الشاشاتِ،
والأسماءِ المستعارةِ التي تتنفسُ شهوةً لا روحًا.
زمنٍ محمومٍ بالنزوات،
يتّسع فيه الصمتُ كهوّةٍ من لا يقين،
وتُدفن فيه العاطفةُ تحت رمادِ الخوف،
ويصيرُ الحلمُ سرابًا يطارد ظلَّه في عتمةِ القلب.
في مثل هذا الليل،
انبثقت جهاد من ضبابِ التيه كصلاةٍ منسية،
تخطّ بيدٍ من لهبٍ،
وتسقي القلوب من نهرٍ مالحٍ لتصنع منه عسلاً،
تكتب لتُطهّر الكلمة من رجس الابتذال،
وتعيد للحبّ قدسيّته الأولى،
حين كان وعدًا بين روحين لا صفقةً بين جسدين.
كانت وحيدةً في جوف الليل،
يتلبّسها طيفٌ من ذكرى،
تغزل الحنين على نول الصبر،
وتنقش وجعها كأنّه نشيدُ الناجين من الخذلان،
تبحث عن واحةٍ في صحراءِ اللامعنى،
فإذا بالواحةِ تنبت في داخلها،
حيثُ الإيمانُ يصعدُ كالفجر،
والحبّ يُضيءُ كقنديلٍ في صدرِ امرأةٍ تعرفُ الطريق وإن ضاعت.
إنّها جهاد،
كاتبةُ الضبابِ والنور،
تسافرُ في الحرفِ كما يسافرُ النبيّ في رؤياه،
تُرمّمُ القيمَ التي هُدمت في زمنِ الخواء،
وتعيدُ للأدبِ هيبته،
وللأنثى مكانتها بين الطهرِ والفكر،
وللوطنِ وجهه الحقيقيّ بعد أن استبدّت به الأقنعة.
هي التي لم تكتب من فراغ،
بل من امتلاءٍ موجع،
من روحٍ تمزّقت لتُلملم غيرها،
ومن ذاكرةٍ مثقوبةٍ بأحداثٍ ستين عامًا من الصمت والأسرار.
هي التي جعلت من الحرف شهادةَ ميلادٍ جديدةٍ للأردن،
وشهادةَ وفاءٍ لكلّ من بقي نقيًّا رغم العواصف.
فلتُفتح صفحات هذا الكتاب كما تُفتحُ أبوابُ الحرم،
ولنقرأه كما تُتلى المزامير في ليلٍ طاهر،
ولنستمع إليه كما يُصغى للأنين حين يتحوّل إلى صلاة.
ففي كلّ سطرٍ من سطور جهاد،
تجتمع الأديان،
وتلتقي القلوب على مائدةِ الإنسان.
وفي قلمها يلتقي الشرقُ والسماء،
وتولدُ امرأةٌ تكتب لا لتُرضي أحدًا،
بل لتُعيد للحقيقة وجهها،
وللأدبِ مهابته،
وللوطنِ ذاكرته التي كاد يُمحى منها النبل.
إنّ ما تفعله جهاد في هذا العمل ليس مجرّد كتابةٍ تُزخرف الحبر،
بل جهادٌ من نوعٍ آخر — جهادٌ بالكلمة،
بالصدق حين صار الكذب عادة،
وبالجرأة حين صار الصمت سلامة،
وبالحبّ حين صار الشعور ترفًا لا يُسمح به في زمن الخواء.
لقد اختارت أن تسير على حدّ السيف،
حاملةً قلمها كمن يحمل رايةً في عاصفة،
تدافع عن المعنى،
وتذود عن نقاء الحرف،
وتصرخ في وجه العبث بأنّ الوطن لا يُباع،
وأنّ الكلمة التي لا تُقال تموت كما يموت الشهيد المنسيّ على أطراف التاريخ.
جهاد قراعين…
في كلّ سطرٍ من سطورها فجرٌ يتنفّس من رماد الليل،
وفي كلّ ومضةٍ من فكرها نبوءةٌ بأنّ الكلمة ستعود سيّدة الموقف،
تُطهّر ما لوّثته الأقلام الضعيفة،
وتُعيد إلينا إيماننا بأنّ الأدب يمكن أن يكون صلاةً،
والحبر يمكن أن يكون وضوءًا،
وأنّ من يكتب بالحقّ لا يُمكن أن يُهزم،
ولو كتب على رمال الصحراء.
هي ليست كاتبة فحسب،
بل صانعةُ وعيٍ، وناقلةُ ذاكرة،
امرأةٌ تقف بين عهدين،
تُطلّ من زمنٍ سُرق على زمنٍ يُستعاد.
في قلمها يلتقي القديم بالجليل،
والحاضر بالموعظة،
وفي عباراتها عبقُ الجاهليةِ في فصاحة اللسان،
ونورُ الإيمانِ في صدق البيان.
ولعلّ أعظم ما في جهاد،
أنها لا تكتب لتُصفّق لها الجماهير،
بل لتفتح نافذةً في جدار الصمت،
وليكون الأدب عندها مرآةً للجرح لا زينةً له.
هي تعرف أن الكتابة موتٌ جميل،
يموت فيه الكاتب ليحيا القارئ،
وتعرف أن الحقيقة لا تُقال إلا بثمن،
وقد دفعت هي أثمانها بصبر الأنبياء،
وعناد المؤمنين بأنّ النور لا يُطفأ بالريح.
وفي زمنٍ صار فيه كلّ شيءٍ قابلاً للبيع،
تبقى جهاد من القلائل الذين لم يبيعوا قلوبهم،
ولا خذلوا ضوءهم،
ولا ساوموا على إنسانيتهم.
من يقرأها، لا يقرأ نصًّا فحسب،
بل يسمع نبضًا، ويرى وطنًا،
ويشعر أنّ بين الحروف عرقًا عربيًا حيًّا،
ما زال يؤمن أن محمدًا والمسيح عليهما السلام
يلتقيان في قلبٍ واحدٍ يؤمن بأنّ المحبّة دينٌ
والعروبة صلاةٌ لا تنقطع.
فليكن هذا الكتاب شاهدًا على زمنٍ كاد يفقد ذاكرته،
ولْتكن هذه المقدّمة شاهدَ تقديرٍ وامتنانٍ لامرأةٍ كتبت بمداد النور،
واستطاعت أن تجعل من الكلمة وطنًا،
ومن الصدق منبرًا،
ومن الحبّ طريقًا إلى الله.
سلامٌ عليكِ يا جهاد قراعين،
يا من جمعتِ بين نور الروح وعنفوان الفكر،
بين الإيمان الذي لا ينكسر،
والحبّ الذي لا يخون.
سلامٌ على قلمك ما بقيت الحروف،
وسلامٌ على عطائك ما دام في الأرض قلبٌ ينبض بالعروبة.
جريدة وإذاعة سقيفة المواسم الثقافية ثقافية ، اجتماعية ، فنية
